ابن أبي الحديد
58
شرح نهج البلاغة
بطن الأرض فتخرجها إلى ظهرها لتنثرها ( 1 ) وتعيد إليها جفوفها ، ويمر بها النسيم فينفي عنها اللخن والفساد . ثم ربما - بل في الأكثر - تختار ذلك العمل ليلا ، لان ذلك أخفى ، وفى القمر لأنها فيه أبصر ، فإن كان مكانها نديا وخافت أن تنبت الحبة نقرت موضع القطمير ( 2 ) من وسطها ; لعلمها انها من ذلك الموضع تنبت ، وربما فلقت الحبة نصفين . فاما إن كان الحب من حب الكزبرة فإنها تفلقه أرباعا ، لان انصاف حب الكزبرة تنبت من بين جميع الحبوب ، فهي من هذا الوجه مجاوزة لفطنة جميع الحيوانات ، حتى ربما كانت في ذلك أحزم من كثير من الناس ، ولها مع لطافة شخصها وخفة وزنها في الشم والاسترواح ما ليس لشئ ، فربما اكل الانسان الجراد أو بعض ما يشبه الجراد ، فيسقط من يده الواحدة أو صدر واحدة ، وليس بقربه ذرة ولا له عهد بالذر في ذلك المنزل ، فلا يلبث أن تقبل ذرة قاصدة إلى تلك الجرادة ، فترومها وتحاول نقلها وجرها إلى جحرها ، فإذا أعجزتها بعد أن تبلى عذرا مضت إلى جحرها راجعه ، فلا يلبث ذلك الانسان أن يجدها قد أقبلت وخلفها كالخيط الأسود الممدود ، حتى يتعاون عليها فيحملنها . فأعجب من صدق الشم لما لا يشمه الانسان الجائع ثم انظر إلى بعد الهمة والجرأة على محاولة نقل شئ في وزن جسمها مائة مرة ، وأكثر من مائة مرة ، بل اضعاف اضعاف المائة ، وليس شئ من الحيوان يحمل ما يكون اضعاف وزنه مرارا كثيرة غيرها . فان قال قائل ( 3 ) : فمن أين علمتم إن التي حاولت نقل الجرادة فعجزت هي التي أخبرت صواحباتها من الذر ، وانها التي كانت على مقدمتهن قيل له لطول التجربة ، ولأنا لم نر قط ذرة حاولت جر جرادة فعجزت عنها ، ثم
--> ( 1 ) الحيوان : ( لتيسها ) . ( 2 ) القطمير : شق النواة . ( 3 ) الحيوان : ( فإن قلت ) .